قوة الثقافة في مواجهة ثقافة القوة

الهوية التراثية في الأدب الفلسطيني

الهوية التراثية في الأدب الفلسطيني
إذا كنت تجلس بأمان في منزلك ولا أحد ينازعك على ملكيته، فمن المؤكد أنك لن تركض في الشارع وتصرخ بعلو صوتك "هذا منزلي... هذا منزلي" لكن إذا حاول شخص أخر أن يسلبه منك سوف تحاول أن تثبت ملكيته لك مثل أن تعلق يافطة تقول " هذا منزل فلان..." أو تنصب السياج لتميز حدود المنزل. هذا المثال هو تشبيه بسيط لما يقوم به الأدباء الفلسطينيين في تثبيت وتأكيد الهوية التراثية في الأدب الفلسطيني، وخاصة في الوضع الاستثنائي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني نتيجة الاحتلال ومحاولاته المستمرة في سلب وطمس الهوية التي تُساهم في ديمومة الراوية الفلسطينية ونقلها لكافة الأجيال.
 
في هذا المقال سنعرض جميع محاور النقاش والأسئلة التي دارت في الأمسية الثقافية " الهوية التراثية في الأدب الفلسطيني" التي نظمتها مكتبة الخضر للأطفال بالتعاون مع الإغاثة الدولية الأولية، وذلك بحضور الشاعر الفلسطيني والكاتب للأطفال خالد جمعة

البدايات الأولى لإثبات الهوية التراثية في الأدب الفلسطيني
 
بدأت مرحلة اثبات الهوية التراثية في الأدب مع بداية الحكم العثماني لفلسطين وبلاد الشام (1916) مستمراً لمدة 400عام، في هذه الفترة ظهرت محاولات لتمييز الهوية الفلسطينية عن غيرها من الهويات التي تقع تحت سيطرة الأتراك مثل إصدار الجرائد والمجالات والقصائد الشعرية، ومن المحاولات التي نجحت أن ترى النور دون غيرها رواية "الوارث" للكاتب الفلسطيني خليل بيدس.
 
الدولة الحُرة تقل فيها فكرة التأكيد على الهوية، هذا ما قاله أ.خالد جمعة حول نقطة لماذا يصر الأدباء على إظهار الهوية التراثية في أدبهم. كلما توفرت طقوس الحرية قل التأكيد على الهوية، ضارباً المثل بأدب الدول الغربية بشكل عام، فالهوية التراثية لا تشغل حيز أساسي في أعمالهم الأدبية لأنهم دول مستقلة ولا أحد ينازع على سيادتهم، بعكس الدول التي تقع تحت الاحتلال تكون في موضع دفاع مستمر وأزلي عن الأرض والهوية خوفاً من أن تُسلب ولا يعاد ذكرها في التاريخ.

وعلى صعيد آخر إن إصرار الكاتب الفلسطيني على إظهار هوية بلده هو أمر غير مخطط له، فحياة الحرب والاحتلال والبحر وشجر الزيتون والبرتقال هي جزء من واقع الكاتب اليومي وشبه الطبيعي، لذلك من البديهي أن يكتب عن هذا كله مع الاستعانة ببعض الخيال قليلاً.
 
الشعب الفلسطيني بكافة فئاته فرض عليه أن يثبت هويته كل يوم وبشكل غير مقصود نتيجة للوضع السياسي الذي يعيشه وكنوع من الصراع الغريزي على البقاء ، في عام 1948 هاجر من 200قرية فلسطينية العديد من الفلسطينيين إلى مدينة غزة. فقد هؤلاء أولادهم ومنازلهم وكل شيء يثبت حقهم وهويتهم، لكن هناك شيء واحد بقوا محافظين عليه حتى يتميزوا به عن غيرهم هو اللهجة، والطعام، والملبس، لذلك تجد في مدينة غزة العديد من اللهجات، لأن كل قرية حاولت أن تحتفظ بهويتها الثقافية بأبسط الطرق خوفاً عليها من الطمس كما طُمست الكثير من القرى والمعالم.

تراثنا الفلسطيني ليس فقط سياسي، لماذا ينقله الأدباء بهذا الشكل ؟ هل هذا يُمكن أن يؤثر على الجيل الجديد؟، طُرح هذا السؤال من قبل لمى المصري (16) عام، أحد اليافعات المُشاركات في الأمسية الثقافية. ليأتي جاوب أ.خالد جمعة على هذه النقطة بأن يوجد تقصير من الأدباء في تناول التراث الفلسطيني على أكثر من صعيد. أولها أن الكثير يعتقد أن التاريخ لشفوي يتم جمعه فقط من الأشخاص كبار السن، لكن في الحقيقة التاريخ الشفوي يُمكن جمعه من أي شخص شاهد مرحلة مفصلية في تاريخ الشعب، فمن الممكن كتابة تاريخ شفوي عن الانتفاضة الأولى والثانية وحتى مسيرات العودة، جميع هذه المراحل تدخل ضمن قالب التراث بغض النظر عن موعد حدوثها على المستوى القريب أو البعيد طالما كانت فترة مميزة في حياة الشعب دون سواه ولاقت قبول جماعي ، أما على الصعيد الثاني  هناك نظرة ضيقة في اختيار  المعلومات التراثية ونشرها  حيث أن الأدباء يركزوا فقط على تداول الأغاني التراثية المتُعارف عليها مثل: " يازريف الطول، على دلعونا" لكن في الحقيقة كتب التاريخ تزخر بالكثير من الأحداث و الأغاني التراثية الجميلة التي تُعالج مناحي الحياة المختلفة، وهذا أمر بديهي لأن فلسطين مر علي تاريخها 64حضارة مختلفة، إما على الصعيد الثالث والأهم هو التركيز على تراث القرية وإهمال تراث المدينة، وهذا أمر يسعى الاحتلال إلى طمسه لأنه دليل على تطور الشعب وتقدمه.


في النهاية يجب أن نيقن أن لا يوجد هوية قومية في العالم تعرضت لمثل ما تعرضت له الهوية الفلسطينية من محاولات تشويه وطمس، لذلك البحث عن الهوية هو مسألة مصيرية في أدبنا الفلسطيني وبصمة تدمغه بالخصوصية.

مشاركة